جمال الدين بن نباتة المصري
440
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وحكى أنّ عينية بن حصن لمّا قدم الكوفة أقام أيّاما ، ثم قال : واللّه ما لي بأبى ثور عهد [ منذ قدمنا هذا الغائط ] « 1 » ، ثم ركب فرسا ، وسأل عن محلّة بنى زبيد ، فأرشد إليها ، وسأل عن عمرو ، فوقف ببابه ، ثم قال : يا أبا ثور ، اخرج إلينا ، فخرج مؤتزرا ، كأنما كسر وجبر ، فقال : أنعم صباحا أبا مالك ! فقال : أو ليس قد بدّلنا اللّه تعالى بهذا : « السلام عليكم ! » ؛ فقال : دعنا مما لا نعرف ، انزل فإنّ عندي كبشا سمينا « 2 » ، فنزل فعمد إلى الكبش فذبحه ، ثم ألقاه في قدر وطبخه ، وجلس يتحدّث إلى أن أدرك ؛ فثرد في جفنة عظيمة ، وألقى القدر عليها ، وقعدا فأكلا منها ، ثم قال : أىّ الشراب أحبّ إليك : اللبن ، أم ما كنّا نتنادم عليه في الجاهليّة ؟ فقال : أو ليس قد حرّمها اللّه تعالى في الإسلام ! فقال : أنت أقدم إسلاما ، أم أنا « 3 » ؟ قال : أنت ، قال : فإنّى قد قرأت ما بين دفّتى المصحف ، فو اللّه ما وجدت « 4 » لها تحريما إلا أنه قال : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ! « 5 » ، فقلنا : لا . ثم جاءا بنبيذ وجلسا يشربان ويتحدّثان ، ويذكران أيّام الجاهليّة حتى أمسيا ، فلمّا أراد عيينة الانصراف قال عمرو : لئن انصرف أبو مالك بغير حباء إنّها لوصمة ، فأمر له بناقة أرحبيّة « 6 » وحمله عليها ، ثم أتى بمزود فيه أربعة آلاف درهم ، فوضعه بين يديه فقال : أمّا المال فو اللّه لا اخذه ولا ألمسه ، فانصرف وهو يقول « 7 » :
--> ( 1 ) من الأغانى . ( 2 ) الأغانى : « ساحا » ، أي بالغا في السمن . ( 3 ) الأغانى : « أكبر سنا أم أنا » . ( 4 ) كذا في ت والأغانى ، وفي ط : « سمعت » . ( 5 ) سورة المائدة 91 . ( 6 ) أرحبية : نسبة إلى بنى أرحب ، بطن من همدان . ( 7 ) في الأغانى : « فقال : أما المال فو اللّه لا قبلته ، قال : واللّه إنه لمن حباء عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، فلم يقبله عيينة وانصرف وهو يقول » .